جارنا كلب!



http://banatmag.com/photo/salway.gif
انتقلنا أسرتي و أنا للسكن في عمارة خمسة أدوار.  في كل دور شقتين.سكنا نحن في الدور الرابع. كانت غرفة نومي تعلو في إطلالتها فيللا و حديقة رائعة كتلك التي نراها في مجلات النخبة من المرفهين في حياتنا الدنيا هذه . كانت الفيللا بيضاء و فوق زجاج نوافذها الفيروزي قراميد حمراء.  كان للفيللا حديقة ، كلمة "رائعة" لا تفيها الوصف. كانت صفوف الزهور الملونة في ثلاث اتجاهات و كأنما أسراب حمام ملون يمشي على الأرض. الممرات يحدها الحصى اللامع من الجانبين. كان منظر النخيل يغريني بالتبسم عند رؤيته. لا هو طويل و لا رشيق و لكن قصير و عريض لكن منظر الظل تحته كان مبهج. أما حوض السباحة بمياهه الفيروزية، المتلألئة فكان يذيقني طعم السباحة دون أن أسبح. لم يكدر ذلك المشهد البديع سوى مخلوق واحد كئيب. كان الكلب المربوط داخل
قفص قضبانه مدهونة باللون الأبيض و المربوط عبر رباط جلدي أحمر حول عنقه داخل  قفص كبير. كان الكلب كحيوان باد الشبع ، النظافة و النعمة. كان كل ما يحيط به جدير بالتقدير. كانت الخدمات التي تفيض عليه، تلقى مني كل تثمين و إعجاب. لكنه لم يقدر النعم من حوله. كان دائم النباح خاصة عندما يقترب منه أي شخص. فإذا قدم له الحارس صحن كبير من اللحم المطبوخ نبح بشراسة و كشر عن أنيابه. استغربت بشدة. أما يوم استحمام ذلك الكلب فكان يومي المفضل! كان الكلب من النوع الكثيف الفراء تماما كدببة القطب الشمالي. كان يقوم حارسين بعملية تنظيفه. كان يرشونه برشاشات ماء اشتهيت اولاد ، بنات عمارتنا يلعبون تحت رذاذها! ثم يصبون علي جسمه، الذي يلتصق به بعد رشة بالماء، يرشون سائل وردي معطر و منظف. كانوا يدعكونه بالفرشاة حتى يصبح جسمه كله أبيض من وفرة الرغوة. ثم يغسلون الصابون عنه فيبدو جسمه نظيفا لامعا، يمتد تحت أشعة الشمس حتى يجف. كان يفعلون هذا كله بعد أن يلجمون أنيابه بلجام و إلا لعضهم ، الغبي لا يفهم انه يستحم ، و لا ُيجلد!  كان أيضا حارس الفيللا يأخذه أكثر من مرة في الأسبوع ليمشيه في الشوارع المعبدة المحيطة بالفيللا . فيرى الكلب كلاب الشوارع الجائعة، الذليلة و المشاة في الشوارع. فيجزم الحارس أن ذلك كفيل بإعادة الكلب إلى قفصه راضي و مسرور بحياته. كان هذا الكلب ُيطلق سراحه ليلا فقط لكي يجول حول الحديقة و ينبح لإخافة اللصوص و لإثنائهم عن محاولات تسلق جدران الحديقة العالية. غير أنه و يا للغرابة لم يكن يفعل من هذا شيء ، بل كان يركض في اتجاه الجدار فيرفع جسده حتى يقف على قدميه الخلفيتين، و يستند بقدميه الأماميتين  و يظل ينبح محاولا القفز! غير انه كان من المحال أن يقفز حيث كان السور شاهق الارتفاع و تعلوه أسلاك. لم أجد لهذا الكلب تفسير و هذا التفسير أضناني فعلاً! لماذا لا يشعر هذا الكلب بالاقتناع و السرور؟ لما هو دائم النباح برغم الشبع ، الأمان و النعم المحيطة به؟ لماذا هذا الكلب دائماً غاضب و حزين؟ هل يعقل أن يكون ذلك الرباط حول عنقه هو سبب كدره و حنقه من دنياه؟ لماذا يريد أن يكون حر أصلاً؟ ألم يرى بعينيه كلاب الشوارع الحرة و هي ذليلة و جائعة ؟ ألم يرها و هي تقتات من أكوام القمامة؟ ألم ير البشر يزاحمونها عند تلك الأكوام، منهم من يجمع علب معدنية  أو قوارير بلاستيكية و منهم من يقتات؟ ألم ير الأطفال ترمي كلاب الشوارع بالحجارة فتهرب منهم عرجاء؟ ألم ير سيارات البشر المسرعة تسحق كلاب الشوارع و ُتريق دمائها فوق الشوارع المعبدة و تحاصرها المطبات الكثيرة فتظل الدماء ماسورة بين المطب و المطب! مال هذا الكلب الغبي لا يفقه النعمة التي يغرق فيها، تلك النعمة التي لولا حيائي و أنا إنسان من صلب إنسان أن أحسد كلب، لحسدته عليها!
بعد مرور قرابة الشهر لحظت اختلافا كبيرا في سلوك الكلب. أصبح الكلب إذا قرب له الحارس اللحم لا ينبح كعادته بل أصبح لا يتحرك نهائيا. أيضا إذا جاء الحراس ليقوموا بعمليه الاستحمام كان لا يقاوم و لا يحاول عظهم بل أنهم ما عادوا يلجمونه. أصبحوا يتعاملون معه كجثة هامدة، ُتغسل قبل التكفين. في الليل عندما يفكون رباطه كان لا يدور حول البيت و لا حتى يركض محاولا تسلق الجدار بل يظل على حاله رابضاً على بطنه و يضع رأسه فوق قدميه الأماميتين. كان الحارس يحاول أخذه لتمشيته المعتادة فيرفض التحرك و لو جراً لو دفعاً! كانت الأعراض البادية عليه في تشخيصي البشري تشبه ما ينطبق علينا نحن البشر إذا ما وقعنا  في شباك الاكتئاب. لكن نحن البشر إذا ما اكتأبنا فيحق لنا ، لا مأكل ، لا مسكن، لا أمان، لا حرية، لا كرامة، لا جدوى و لا حتى أمل في جبر خواطرنا. أما هو فما ذا الذي يكئبه؟ !! نحن البشر منذ نعومة أظافرنا نتلقى دروساً! يلقنونا إياها و نحفظها  غيباً و نتلوها عن ظهر قلب، هذا و نحن جازمين أنها كذب! نحن نعلم أننا عند الرعاة أغنام، مجرد أغنام. حقوقنا حقوق أغنام و واجباتنا واجبات أغنام. قد نأكل قليلاً ، قد نرعى و نكتنز قليلاً، لا يهم ففي النهاية نحن فوق صحون الأرز و اللوز مجرد "طعام"! لكن هذا الكلب الغبي ماله لا ينطلق و يفرح و يطير؟ في الليل أبتعد الحراس من حوله. سمعته يئن أنين حمى و مرض. أصدرت بفمي صوت              :- بسسسسسـ ...  رفع الكلب عينيه الدائريتين إلىَ. غارقتان في الحزن عيناه. الحزن بالمناسبة ليس من صفات البشر فقط. ابتسمت له. لكن الابتسام من لغة البشر فقط. لم يفهم و أخفض عينيه أرضاً مرة أخرى. هذا الكلب حزين بسبب الرباط الجلدي الأحمر حول عنقه. ليته كان يفهمني لنزلت إليه ، لربت على ظهره و كلمته أننا في زمن من  قبل بالرباط حول عنقه علي و أرتفع شأنه. من أرتضى فوق أي من أخلاقياته "رباط" فرح و نال الأماني و سمع التهاني. من قبل بالرباط فوق الدين ، الهدى و الحق أمتلك ما لا يحلم كل الناس بامتلاك ربعه. مالك لا تقبل بالرباط يا غبي؟
في تلك اللحظة خرج مالك الفيللا غاضباً و نادي الحارس.أسرع إليه الحارس. صاح في وجهه:- ما بال الكلب لا يحرس؟ أجابه بتحدب ولعثمة:- يرفض الحراسة يا سيدي، فماذا نفعل؟ دخل الرجل إلى داخل الفيللا و عاد في يده سوط يكاد التمساح يتحرك فوقه من طوله ! اختبأت خلف ستائر نافذتي و عضضت شفتي بهلع لا يوصف. لا أريد أن أرى عملية جلد. ليتهم- هؤلاء الجبابرة- يجلدون الزناة، ليت أنهم يجلدون اللصوص الكبار. لم اسمع أي صوت للسعات السوط. فتحت ستائر نافذتي لأجد الرجل قد عدل عن قراره و لم يجلد الكلب بل عاد إلى داخل فيللته.  كان الكلب كما هو رابض على بطنه و رأسه فوق قدميه الأماميتين. قلت له              :-بسسسـ.... فلم يرفع عينيه إلىً . عينية رأيتهما دامعتين. رأيت لمعة الدموع فهل تبكي الكلاب؟ هذا الرباط حول عنقه يدمر حياته. الحرية فطرة فطر الله مخلوقاته عليها، و هذا الكلب لم يخترع بدعة. أنه يتبع فطرته مهما أحاطوه بالبذخ و الشبع. لم أكن أعرف أن الكلاب تبكي و لا سمعت و لا شهدت. لذا هزني منظر الكلب و هو دامع العينين و لا أستحي أن أقول أن منظره أبكاني! تبك حريتك يا مسكين؟ لأنك غبي فقد توهمت أن الحرية حقيقة! لأنك غبي لم تفهم أن ليس منا حراً واحداً! لم تفهم يا مسكين، إما أن تعش أحدب و منحن أو ترفع جبينك شبر لتجد يتربص بك ألف سكين !هكذا سادة الدنيا يريدون. هكذا فقط يستفيدون. هكذا فقط يثرون. هكذا يمتلكون و يتملكون. هكذا جبابرة الأرض الدنيا يخططون. هكذا هم يزدهرون.  ما على البقية إلا القيام بدور القطيع.و ليس أي قطيع متمرد أو ثائر بل قطيع مطيع! ليس حباً في الطاعة و لا تفضيلا للذل و لكن ليعش المرء حياته و يمضي بدون ضوضاء و بدون طعم الانهزام المريع. تبكي حريتك يا مسكين؟ البشر أعلى منك مكانة و هاهم ما أن يخرجوا من أرحام أمهاتهم حتى تتلقاهم أيدي الكهنة السوداء. تروضهم على السجود. تقطر في أفواههم لقاح الذل و القبول بكل شيء و أي شيء. هاهي أيدي الكهنة السوداء تصب البشر في قوالب المواطنين الصالحين. تخرجهم من القوالب كما تريدهم "مواطنين صالحين"! لا أم لهم و لا أب. لا دين يؤمنون به و لا رب. ليس بحوزتهم سوى طاعة أولي الأمر. و إن أولو الأمر كفروا؟؟ حيا على الكفر. و إن أولو الأمر ظلموا؟ مرحبا بكل ما جاء من وجهتهم فما هو بظلم. و إن أولو الأمر أجاعونا ، و إن اعتدوا على أرزاقنا، إن داسوا بنعالهم كراماتنا ، لا لم نر ، لم نسمع أي اعتداء إنما هي "حماية". ها نحن اليوم ، فتشونا يا كهنتنا ، فتشونا، نحن عرايا من أي حق ، عرايا حتى من الحماية. ندفع جزية لشيء لا نجده لدينا، ندفع جزية تلو الجزية مرة هي عين، و مرة هي قلب ، و مرة هي حموضة في المعدة..و مرات هي سكته قلبيه! اتركني يا كلب أنا مثلك مسكينة ، لا أريد أن أفتح فمي طويلا ، لأنني بئر إذا ما فاض أغرقنا جميعا بلا نهاية. مثلك أنا متعبه أتكئ فوق قنديل و أدعو الله أن يرشدنا إلى زعيم يعرف الزعامة و المسئولية .
فجأة لحظت عند حافة فم الكلب خيط دماء. غريبة؟ لم يضربه أحد أمس. لكني خشيت ألا يكون أحد ضربه و لا أحد جرحه غير أنها دماء الأحشاء التي لم تحتمل. لعل قلبك أيها الكلب- موجوع- لعل قلبك سيسكت. لعله سيُذبح و يسمونك شهيد و تشيعك الجموع. أما الدماء عند فمك فلا بأس بها، فما هي إلا دماء. رخيصة هي، لا قاربت قيمة النفط و لا عظمت عظمة الماء، ما هي إلا دماء و رخيصة هي في أوطاننا الدماء! في تلك الليلة فكرت كيف مالك الفيللا سيعاقب الكلب على عدم قيامة بالحراسة. ما أن صحوت من نومي صباحا حتى قفزت من سريري إلى النافذة فتحتها ، فوجئت بما لم يخطر لي على بال. لقد أدخلوا الكلب في قفصه ثم غطوه بغطاء غليظ اسود اللون بحيث يحيا الكلب في ظلام دامس أو لعلهم قاموا بما نسميه نحن في عالم البشر " انطفاء الكهرباء". إذن هذا هو العقاب؟؟ يا لمالك الفيللا  اللئيم. لا شك بأنه تعلم فنون التعذيب و العقاب من دهاه حكوماتنا السياسية. حاصر الكلب بالظلام ليل نهار. كان المسكين ينبح بشكل متواصل. استشعرت تماما لوثته فهو ما عاد يميز الصباح من الليل. صارت أيامه كلها ظلام دائم. أشفقت عليه. فنحن كما لا ُيخفى على أحد شعب يدرك تماما  معنى الظلام. نعرف تماما ماذا ينطفئ داخل نفوسنا عندما ُتطفي الكهرباء. نعرف أنها ليست فقط المصابيح و الأضواء ! إنما يموت أيضا بداخلنا شيء نحسه و لا نعرف اسمه. نعرف معنى تلمس الطريق و الجدران بأصابع اليد. نعرف أن تصطدم أنوفنا بالأبواب. نعرف أن نحدق مليا دون أن نقبض على نقطة ضوء. عرفنا هم الكفيف. عرفنا حزن البصير.أشفقت على الكلب المسكين ، فنحن البشر و لله الحمد لا زال لدينا شمس ربي تشرق و لا يستطيع إظلام نورها أحد، و لا زال لدينا ضوء قمر الله يهبه لنا ، بلا أجر و لا ثمن و لم يستطع الكهنة لا سرقتها و لا تغطية نورها. مرت أيام و الكلب لا يصدر أي صوت ، فخمنت أن يكون مات أو على وشك. كان الحارس يدخل إليه ماء و كسر خبز و أجزمت أنه يأكلها و هو من كان يرفض اللحم بعد أن أعمى الظلام بصره و أختل توازن بصيرته.
بعد مرور عشرة أشهر قرر مالك الفيللا أن يفك اسر الكلب الشقي. خرج المسكين لا يقو على فتح عينيه. كان يقلب رأسه في الجهتين لا يتحمل ضوء الشمس. أحاطت به كلاب  كثيرة جاء بها مالك الفيللا،ملونه باللون البني و الأسود و الأبيض، دارت حوله، شاركته أكله و بيته، جال معها حول الفيللا كل ليله. نسي حريته. هكذا إذاً؟ كنت تريد حرية،هيا إذن قم و تشارك في الحراسة. قد أقنعك الظلام أن المشاركة في الحراسة الليلية إنما هي حرية، فهنيئاً لك حريتك ، لكن لا تخبر أحداً عنها فهي حرية مضحكة لأنها داخل أسوار الحديقة و هي سرية، فهل سمعت في حياتك عن حرية سرية؟
أحدث أقدم

نموذج الاتصال