أصبحت مشهورة في عالم النساء اللواتي تظل بيوتهن مفتوحة و لا يحسسن للحياة طعما إلا وقت استضافة النساء و إكرامهن بالمأكل و المشرب. كانت إذا طلبت مني جارتي الأولى 2 كيلو من الكعك كنت كثيرا ما أضيف حوالي نصف كيلو كهدية مني لأعبر عن امتناني كونها كانت السبب الذي سببه لي الله فيها لأجني كل ذاك الرزق الحلال في زمن الرزق الحرام حيث كانت هي أول من اشتري مني و قدم كعكي للضيوف! و لو أن كعكي و لا فخر و بدون غرور هو أكبر دعاية فقد كان مذاقه فعلا لذيذ بشكل مميز.
أنا
امرأة أرملة و لدي ولدين و بنت. البنت عمرها ثمانية عشرة سنة هجرت الدراسة
منذ الصف السادس الابتدائي ، كانت تساعدني في العجن و شراء مستلزمات
الكعك. و ابن في السادسة عشر يدرس ثانوية عامة. الابن الأكبر عمره خمسة و
عشرون عاما يقيم هو و زوجته معنا و تساعدنا هي الأخرى في إنجاح مشروع
الكعك. كنت أعطيها ألف لها هي و زوجها و أصرف أنا الألف و الخمس مائة على
مأكلنا و مشربنا. كان ابني الكبير هذا يعمل في جامعة خاصة كافة أنواع
الخدمات مقابل أن يدرس مجاناً. تعاطف معه مالك الجامعة الدكتور الإنسان.
الله فوق المساكين يرعاهم برعايته. دخل أحد الأيام ابني الكبير و أنا أقوم
بتعبئة الكعك في علب النيدو العائلي الكبير. رآني أذوق واحدة. بابتسامة
أقترب و أخذ واحدة و قال:- ممممـ... كعك خيال! فأخذت ملئ كفي كعك و أنبته
قائلة:-ُ كل يا بني ، ُكل يا نظر عيني في هذه الدنيا. فأخذ واحدة و أعاد
الباقي قائلاً:-لكي لا تلحظ المرأة نقص الكيلو. رمقته بتفكير. هذا
الإنسان فعلا حكيم إذ لو كانت لاحظت لاتصلت تعبر عن ملاحظتها لنقصان الكيلو
و لشككت في ذمتي و شوهت سمعتي العطرة و لساءت سمعتي و قلت زبوناتي. إذن
ابني فعلا محق. نحن نخبز و نبيع و لا نخبز لنأكل و العياذ بالله!!
كان
ما نجنيه من بيع الكعك يكفي لشراء مستلزمات الكعك من دقيق ،سمن، بيض،سمسم ،
حبة سوداء، خميرة، و حليب نيدو.كان يكفي لدفع أجرة الخباز. كان و هو الأهم
يكفي قوتنا اليومي الذي كان جيد و لله الحمد. كان تكفي لدفع تكاليف ابني
المدرسية. أما سكننا فهو في منزلنا الذي تركة لنا زوجي المتوفى. كان يكفي
أيضاً لشراء ثياب حين تبلى القديمة. حتما الله فوق المساكين يرعاهم. ينظر
إليهم، يحس بهم، يشهد كل ما يعانون منه، يعرف دون أي داعي لسرد و لا وصف و
لا شكوى، يشعر بكل حرمانهم و تنهيداتهم و لوعتهم. كان الله الجميل و ما زال
و سيبقى سبحانه و تعالى معنا. كلنا كنا نحس بذلك إحساس ملموس خاصة بعد
شهرة كعكي و ازدياد الطلب عليه.
فجأة
رن هاتفي فركضت لأجيب. كانت جارتي التي روجت لكعكي لأول مرة. كنت أكن لها
امتنان خاص. قالت لي جارتي:- أريد ثلاثة كيلو يأخذهن ابني للسويد. سيسافر
بعد غد ليدرس هناك موارد بشرية. نهضت فوراً لأنفذ. بدأت أعجن و أنا أسترجع
مكالمتها. السويد؟ لا لا ، لعلها قالت الكويت و سمعتها غلط. لا يوجد بلد
اسمه السويد. و مراود بشرية هذه ما هي؟ يعني
يتخرج
ليكون طبيب م لا؟ كنت أعجن مستذكره انه أكيد سيركب طائرة لتأخذه ربما إلى
أخت الكويت هذه، السويد.. تذكرت أبنائي و هم أطفال كم كانوا يتقافزون إذا
رأوا طائرة تعلو رؤوسهم و يحلمون بالطيران فيها. لكنهم كانوا أطفالا لا
يعرفون أنها قد تهوي أرضاً ، قد تقتل. عضضت شفتي هلعا للتصور و حمدت الله
أن لا أنا و لا واحد من فلذات كبدي قد حتى لمس طائرة.
بعد
مرور عام من الحياة بحلوها و مرها و حمدنا و شكرنا لله على عطاءه و كرمه.
ذهبت لجارتي و أنا أكاد أطير فرحاً ، زغردت ملئ جدران قصرهم و أبشرتها أن
ابني الكبير تخرج من الجامعة. باركت لي بابتسامة عريضة. قلت لها بأنني أطلب
منها أن تخبر زوجها أن يتكرم بإيجاد وظيفة لابني في وزارته الكبيرة، وظيفة
لائقة براتب جيد. ذكرتها أن الشباب العاطلين عن العمل هم أكثر مما قد
عملته من كعك. ضحكت بسرور قائلة:- إذا وجد لابنك وظيفة جيدة و هو حتما
سيفعل هل تعملين لنا كعك مجانا و لنا فقط؟
وجدت
فمي ُيفتح كالكهف في آخره اللوزتين، حدقت عيني بدون إرادة مني. أذهلني
ردها، صدمني، هزني، بعثرني حتى أنني لم أحدد أهي تمزح أم جادة؟ انه رزقي
فلماذا تريدني أن أطيره كالحمام؟ أضافت بعدها مؤكده أنها جادة:- سأوفر لك
أنا طبعاً كل مستلزمات الكعك.
إذن
هي لا تمزح! هي تعني ما تقول. تأملت وجهها و لأول مرة ألحظ أنها دميمة. لم
أجد رد غير أن عيناي ظلتا متسعتان حد التحديق حتى شعرت بألم فيهما.
فأغمضتهما ، فركتهما ، فتحتهما و لم يبارحني الشعور بالتحديق مطلقاً! ماذا
كان يجب أن أقول لها؟ أقول لها لا لعرضها و أضيف ابني للشباب العاطلين
الذين يفوق عددهم عدد الكعك الذي قد عملته في حياتي كلها؟ أم أقول لها نعم
فأغلق باب الله المفتوح أمامي محبة و عطاء فأغلقه أنا عصيانا و كفراً؟ ثم
هل أساساً كان راتب غبني لمصاريف أسرة كاملة علاوة على أنه مقبل على شراء
مستلزمات مولود جديد أضف إلى ذلك أجرة الأطباء الذين لا غنى عنهم.
وجدت
نفسي في الشارع عائدة إلى منزلي. لست أذكر كيف خرجت و لا ماذا قلت قبيل
خروجي. لكني كنت أحس لهيب في عيناي و شعرت بالشرايين فيهما يشتدا إلى درجة
التمزق! عدت إلى منزلي متسعة العينين. هرعت إلى الحنفية ، غسلت عيني ،
كمدتهما ، قرأت عليهما الفاتحة و ياسين. ركضت إلى المرآة التي تعلو الحوض
فوجدت الاتساع لا زال بارز و ظلت عيني جاحظتين منذ تلك الحادثة حتى يومنا
هذا. جلست في ركن من بيتي فوق البلاط. تذكرت كل ما دار بيني و بين جارتي
من حوار. ذكرت اتساع عيني الذي حدث في تلك اللحظة. ترقرق الدمع في عيني
فبكيت كثيراً. قمت بعدها ،توضأت و صليت صلاة الاستخارة. ذهبت بعدها مباشرة
إلى قصر جارتي و أبلغتها أنني شديدة التقدير لمشاغل زوجها و مسئولياته
الجسام و أنني لا أريد أن أحمله مزيدا من الإحراج. لذا سيجد ابني وظيفة
بنفسه بعد أن ذكرتها أما أنا فلا أنسى بأن الله هو الرازق. قهقهت اللئيمة
زوجة اللئيم ، ابنة اللئيمين و حفيدتهم! ذقت في جوفي طعم غريب و مر لعله
مهانة، لعلة ذل لست أدري ما هو لكنه سيء الطعم! عدت إلى منزلي بذات التحديق
المخيف الذي سور بؤبؤ عيناي بالبياض حتى بات من يراني يعتقد أنني أعاني من
فشل في الغدة الدرقية. عدت لأخبر ابني و كل أفراد أسرتي بما كان بيني و
بين جارتي فكانت ردة فعل ابني كما توقعتها. أنفجر غاضبا و اتهمني أنني لم
أستوعب أن نية المرأة حسنة و أنها تريد أن تريحني من الشقاء.و دلل على ذلك
اشتراطها أن لا أعمل كعك لسواها.صاح في وجهي أن أتأمل العروق النافرة في
معصمي و لفت نظري أن المرأة أرادت أن تعطيني إجازة طويلة. صمت و أنا أستمع
إليه. هل فعلا هذا هو الحاصل؟ أنا مسكينة و لا أدري!! سألته هل سيكفي
راتبك؟ أنت مقبل على مصاريف ولادة و شراء مستلزمات كثيرة للمولود؟ أنا لم
أشتكي من عروقي النافرة في معصمي لكنني سأتألم إذا لم يلب راتبك احتياجاتنا
الضرورية. لم يفهمني للأسف. لم يستوعب. قاطعني ملوحاً بيده لإسكاتي
صارخا:- أنت أنانية يا أمي، أنانية و مغرمة بالشقاء! ضغطت على عيني من
خشيتي أن يخرجا خارج محجريهما.قلت له بصوت أعليته كثيرا لأذكره بأنني أمه
:- أنا لا أعتبر الكعك شقاء. بل أعده رزق من الله لي. هذا الله يقول لي هاك
رزقك الحلال! فكيف لا أصونه و هو من الله ربي؟ كيف أنت لا تستحي حين تطلب
مني أن أغلق باب فتحه لي الله؟ الله رزقني فكيف أنا أعصية و أعطية ظهري؟
لم يعجبه كلامي فخرج غاضباً. جارتي اللئيمة شقت صدع في بيتي. أسرعت ابنتي
تهدئ من روعي و تؤيد قراري. سألتني و هي تقبل يدي :- ماذا حصل لعينيك يا
أمي؟ رفعت كتفي و قلبت شفتي مجيبة:- استغربت و الاستغراب لم يزول كما يبدو!
بمرور
الوقت اكتشفت أنها تعاقبني فلا عادت هي و لا صديقاتها يتصل بي ليطلب كعك.
لا أستبعد أن تكون اللئيمة أخبرت صديقاتها و على وجهها علامات التقزز
بأنها وجدت صرصار، شعرة أو نملة داخل كعكي! كنت في تلك الفترة لا أنجح لا
في التنهيد و لا في أخذ نفس، و كثيراً ما كنت أبلل يدي و أمسح صدري. كانت
حمم تقذفها براكين كلها تعتمل في صدري. قررت بعد خلو بيتي من القوت فيما
عدا خبز أن لا أناطح الجبابرة فلا قرون فوق رأسي. اتصلت بجارتي ، قلت لها:-
السلام عليكم ، كيف الناس؟ استغربت فرأيت أن اسأل لماذا توقفتِ عن طلب
الكعك و كذلك جميع صديقاتك، خير؟ أجابت بجفاء باد :- وجدنا غيرك ، تعمل
الكعك رائع مثل كعكك، لكنه بألف و خمس مائة ، أنت كنت طماعة!! ألفين و خمس
مائة كانت "قاتلة" بالنسبة لنا!
أخرسني
ردها. ألفين و خمس مائة قاتلة يا من لا تشكل الألفين و الخمس مائة عندك
شيء ُيسمى مال. لمنها تأكل أسرة من خمسة أنفار. و تشربهم، و تكسيهم، و
تعالجهم، وتنظف بيوتهم!!
مرت
علينا فترة صعبة ، أقام فيها الجوع تحت سقفنا. توجهت بعدها إلى منزل جارتي
لأبلغها بأنني قد قبلت عرضها. رجوتها أن يوظف زوجها ابني و سأعمل لها كعك
مجاني متى ما رغبت. رفعت سبابتها محذرة أمام عيني الجاحظتين:- و لا تعملي
كعك لسواي! لا تنسي! قلت لها بتوسل"- في ماذا يؤذيك أن أفعل؟ اتركيني أدخل
على نفسي رزق. حركت رأسها علامة الرفض و قالت بأسلوب الآمر:- لا لا لا لابد
أن ترتاحي. قاطعتها:- لن أرتاح و نحن محتاجين! رفضت فخرجت بطاعة و
إذعان! رفعت رأسي إلى السماء في الشارع و كلمت ربي. يا مزجي السحب، لتكون
ركام ثم يا منزل علينا المطر ، انزل علىَ فرجك! صباح اليوم التالي كان ابني
قد توجه إلى عملة الجديد بسرور ظاهر على محياه. استعمرني حزن لم أستطع
إجلاءه من كياني. تخيل معي حزن المعاق؟ و تخيل معي حزني و أنا لست معاقة و
الفضل لله. استحيت أن أشتكي حالي لله ، كيف أفعل و بأي وجه أشكو و هو من
وهبني و أنا من لم يستقبل هبته!
بدأت جارتي تطلبني بكيلو يوميا ، ثم 2 كيلو يوميا، ثم 3 كيلو يوميا و أفزعني كم يأكلون!! أو لعلها ترسل لابنها في الكويت!
بدأ
ابني الأصغر امتحانات الثانوية العامة. في أحد الأيام جاء ليقول لي أن في
طريق عودتهم إلى منازلهم دخل زملاءه محل حلويات راقي جداً، و اشتروا كيك و
بتفور. أخبرني أنه رأي كعك معروض يشبه كعكي. سرد لي أنه أشترى حبتين و
كانت الواحدة تباع بسبعين ريالا و تأكد أنه كعكي فعلا!! سألته باهتمام
بالغ:- نفس الحبة السوداء و السمسم؟ أكد لي:- نفسه يا أمي، نفس الضفيرة في
الحواف و الأهم نفس مذاق كعكك يا أمي! فورا قمت و ذهبت إلى المحل. ما أن
دخلت و رأيت كعكي مرصوص في أوعية التقديم الأنيقة حتى عرفت أنه كعكي.
اشتريت حبة و أدخلتها فمي ، سرت قشعريرة بدأت في فروه رأسي و انتهت عند
أظافر قدمي. أنه كعكي!! وضعت كفي على قلبي مما خشيت ان يهوي أرضاً! بعد أن
أنتظم تنفسي ، سألت البائع:- كعك رائع! من ما شاء الله عليها تعمله؟ أجاب:-
أنها مجموعة من الصديقات زوجات مسئولين. فتحن معمل و وظفن بنات شاطرات في
عالم العجين ، قسمين الأنواع حسب عددهن. مثلا واحدة توفر الكبان، الأخرى
البتفور، الأخرى بنات الصحن و هكذا! فيما عدا صاحبة الكعك تعمله بيديها في
بيتها ما شاء الله عليها فعلا.
سألته:-
الحبة بسبعين؟ أليس السعر "قاتل"؟ أبتسم بتحرج و أجاب:- قاتل عندك و عندي.
السبعين لا تسوى عند الزبائن هنا بصقه! الكيلو منها أصبح بـ5500ريال!
سألته عن أسماء المشاركات فعدد لي أسماء أزواجهن. أسماء أعرفها كلها و على
رأسها اسم جارتي التي تعمل الكعك ما شاء الله عليها.
خرجت
من المحل كأي عربيد يخرج من حانة، دون أن أحتسي أي خمر وجدتني أترنح
كالسكارى! ماذا أسمي هؤلاء الناس؟ كلاب؟ لا، و الله أن الكلاب أشرف! أسميهم
أسود، نمور، ضباع ضارية؟ لا، و الله أن الوحوش المفترسة ارحم. لكن........
سأسميهم ذرية أعوام طويلة من الفساد، رضعوا من ثدي الاستغلال و الاستبداد.
كانوا فرسان من نار يعتلون ظهور الخيل... يبطشون بالمشاة الحفاة فوق أرض
كلها أشواك!